التجارب السريرية بين المشروعية والتجريم - دراسة مقارنة

ISBN 9789923152713
الوزن 1.000
الحجم 17×24
الورق ابيض
الصفحات 328
السنة 2026
النوع مجلد

لما كان الإنسان هو غاية التنظيم الاجتماعي، فإن حمايته في كيانه المادي والمعنوي هي من أساسيات النظام القانوني، ذلك أن هذه الحماية إنما ترد على قيم وعناصر لازمة لوجوده من أجل أن يستمر تقدم المجتمع وازدهاره. بالمقابل تعرض الكائن البشري عبر العصور المختلفة إلى أبشع التجارب على أيدى أطباء يمارسون هوياتهم السادية في تجاربهم، وقد ظهر ذلك جلياً أثناء الحرب العالمية على أيدي النازيين، فقد تم إجراء بعض التجارب الضارة بالبشر، والتي قد ترتب عليها في بعض الأحيان عجزهم أو وفاتهم، واستغلال البشر كفئران تجارب، وقيام بعض الدول بهذه التجارب في الخفاء، وغالباً ما يكون ضحاياها من شعوب الدول الفقيرة، مما يؤدى إلى انتهاك حقوق الإنسان، بهدف اكتشاف نوع جديد من الأدوية أو لمحاولة استنساخ بشري، أو لاستخدام الأجنة في بحوث الخلايا الجذعية، إلا أنه وعلى الرغم من ذلك فللتجارب السريرية أهمية كبرى في اكتشاف بعض الأدوية الضرورية لحياة البشر والتخفيف من آلامهم، وكذا تطوير مجالات التشخيص والعلاج لبعض الأمراض المستعصية والخطيرة التي لم تفلح معها العلاجات الطبية المتاحة. ولعل أبرز ما دار مؤخراً على الساحة العالمية إيجاد علاج أو لقاح مناسب لفيروس كورونا COVID-19، وهو ما سعت دول العالم المختلفة على إيجاد لقاح أو علاج له بشكل سريع، بهدف الحد من انتشار المرض والقضاء على المزيد من البشر، وهو ما دفع العلماء إلى اللجوء لإجراء تجارب سريرية لاكتشاف لقاح أو علاج له، لذا لابد للمتطوع عند خضوعه للتجارب السريرية أن يكون مطمئناً إلى أنه يقع في هذا العمل تحت مظلة القانون الذي يكفل حمايته ضد أي اعتداء يمس جسده. ولمعالجة اعتبارات المسؤولية المدنية، أصدر وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي في 10 مارس 2020 إعلانًا وفقًا لقانون الجاهزية العامة والتأهب لحالات الطوارئ (PREP) منح حصانة من مسؤولية الضرر للكيانات المشاركة في تصنيع وتوزيع "اللقاحات المضادة" لفيروس كورونا. ويهدف الإعلان إلى تعزيز التطوير السريع للأدوية والأجهزة المصممة للوقاية من فيروس كورونا وعلاجه. تاريخياً، أصدرت وزارة الصحة الأمريكية أوامر مماثلة للتصدي لفيروس زيكا، وفيروس الإيبولا، والعديد من أوبئة الإنفلونزا. هذا وتثير التجارب السريرية على الإنسان مشكلة التأرجح بين اعتبارين، الأول حرية البحث العلمي وما يترتب عليه من إطلاق حرية الطبيب في إجراء هذه التجارب، وثانيها حرية الإنسان الفردية، وما تقتضيه من احترام لسلامة جسده، وعدم المساس بهذا الجسد إلا فيما يحقق مصلحة يقرها القانون، خاصة وأن هذا التنازع معقد بشكل شديد فيما يخص كيفية تحقيق التوازن بين المصلحتين السابقتين بعدالة، ونظراً لأن الأطباء والعلماء والباحثين في مجال الأبحاث العلمية والتجارب السريرية، ومع التقدم والتطور العلمي والتقني الهائل في الأدوات، والمعدات، والآليات، والطرق الحديثة، تجعلهم يعملون في بعض الأحيان دون الأخذ بأهمية للاعتبارات القانونية والإنسانية، حيث لا يتفق المفهوم العلمي البحت كثيراً مع الإحساس الروحي، أو الأدبي لجسم الإنسان وكيانه المادي والمعنوي، فالأطباء والعلماء والباحثون يسعون إلى تحقيق أفضل النتائج العلمية التي تخدم الإنسان في النهاية، ولكن من خلال هذا السعي يتزايد التعامل مع الإنسان باعتباره أداة أو مجرد محل للعمل الطبي، أما من الناحية القانونية فإن الأمور تأخذ منحىً مختلفًا عن مفهوم الأطباء والعلماء والباحثين، حيث يضع القانون الإنسان في إطار مبدأ الحرية واحترام كيانه المادي والمعنوي، والقانون في ذلك يضع سلماً للقيم يوازن بينها، ويفصل بعضها أو يقدمه على الآخر، لذا يوجد تفاوت يحدث في بعض الأحيان بين مفاهيم وقيم القانون، وبين بعض التطورات العلمية والتقنية التي تطرأ على الحياة العلمية والعملية في مجال التجارب السريرية. وقد يتعلق بالحق في سلامة شخص الإنسان، وهو يعني حظر التعذيب والعقوبة أو المعاملة القاسية أو اللانسانية أو المهينة أو المذلة التى جاءت على وجه الخصوص في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما نصت في المادة {16} على عدم سلب الحرية وإضافة إلى الحق في السلامة الشخصية كالآتي: 1. لكل شخص الحق في السلامة البدنية والعقلية. 2. في سياق الطب والبيولوجيا، يجب الامتثال على وجه الخصوص للآتي: - الموافقة الحرة والمستنيرة للشخص المعني، بالطريقة التي يحددها القانون. - حظر ممارسات تحسين النسل، ولا سيما تلك التي تهدف إلى اختيار الأشخاص. - حظر جعل جسم الإنسان وأجزائه، على هذا النحو، مصدراً للربح. - حظر استنساخ البشر لأغراض التكاثر. وقد اهتمت التشريعات محل البحث بتنظيم التجارب السريرية في مجال الأدوية، ومنها المشرع الأردني بموجب قانون المسؤولية الطبية والصحية الأردني رقم (25) لسنة 2018م، وقانون إجراء الدراسات الدوائية الأردني رقم (2) لسنة 2011م، وتلاه حديثاً المشرع المصري بموجب قانون تنظيم البحوث الطبية الإكلينيكية المصري رقم (214) لسنة 2020م، والذي جاء بدراسة تفصيلية لشروط وضوابط التجارب السريرية، وتحديد الجهات المنوط بها إجراء تلك التجارب، كما جرم بعض الأفعال التي تمس الكيان البشري، أو الاتجار به كما سيرد تفصيلاً بدراستنا. وأيضًا هناك المسؤولية المدنية بجوار المسؤولية الجنائية، والتي تحمي المضرور من التجارب السريرية التي تمت بطريقة قانونية وحدث ضرر بناء على إهمال أو غيره، وأيضًا التعويض عن الضرر الناتج عن عمليات التجارب السريرية غير القانونية، لكن لن نتطرق إلى الحديث عن هذا نظرًا لأن موضوعنا، هو المسؤولية الجنائية، ولكن لزامًا الإشارة إليه. وتبدو أهمية هذه الدراسة من خلال سعيها إلى وضع إطار قانوني منضبط لتنظيم التجارب السريرية على البشر من الناحية التشريعية، وتنظيمها في إطار قانون موحد، وتحديد المباح منه والمحظور إجرائه وتجريمه، وكبح جماح العلماء في المضي نحو إجراء أي تجربة لمجرد إثبات نظرية علمية معينة، والتعرف على مدى كفاية التشريعات الوطنية للحد من إجراء التجارب السريرية المحظورة واستغلال البشر، سواء بالترغيب بالمزايا والمكآفات المالية التي سوف يحصلون عليها، أو الترهيب عن طريق إكراه الأشخاص الخاضعين للتجربة للخضوع لبعض التجارب الخطرة على صحتهم وحياتهم، والتي لم يجيز القانون إجراءها. وقد أدى التطور التكنولوجي وتطور الصناعات الدوائية، وصناعة المعدات والآلات الطبية، إلى تطور هائل في نظريات معالجة المرض، فقد أنتجت المعامل الدوائية أجيالاً جديدة من الأدوية، وأفرز التطور التقني في مجال المعدات الطبية بعض أجهزة التشخيص، وبعض الأجهزة المتطورة التي تستخدم إما للجراحة وإما للعلاج، ومن المعلوم أن جميع هذه المنتجات سواء الدوائية أو التقنية بحاجة إلى دراسات سريرية تجرى على البشر لإثبات مدى فعاليتها في تشخيص أو علاج المرض، ولما كانت هذه الدراسات مباحة إلى حد معين سمح به القانون، ولما كان البشر الذين تجري عليهم هذه الدراسات هم من المتطوعين، رغم أن بعضهم قد يتلقى أجراً عن هذا التطوع، ولما كانت هذه التجارب تحمل نوعاً من الخطر على هؤلاء المتطوعين، فهنا يجب التدخل بنصوص تشريعية للعقاب على مخالفة تلك الضوابط المحددة بالقانون، والتي لم تسمح التشريعات بإجرائها، ومن هنا تتكون المشكلة البحثية في سؤال محوري ورئيس هو: هل يعتبر القيام بالتجارب السريرية فعلاً مباحاً أم مجرماً في ظل التشريعات المقارنة ؟ وإنني في دراستي لهذا الموضوع اتبعت مناهج بحثية مختلفة في سبيل تدارك القصور التشريعي في القانون الأردني في معالجته للتجارب السريرية، ولوضع نواة للباحثين فيما بعد لاستكمال الطريق من حيث انتهينا، وهذه المناهج هي: المنهج التحليلي؛ تم الاستناد إليه من أجل استعراض موقف المنظمات الدولية والتشريعات المقارنة، والظروف التي وقعت ومحاولة وصفها وتحليلها وتأصيلها. والمنهج المقارن: تم الاستناد إليه من أجل إبراز مواقف الدول المختلفة من إجراء التجارب السريرية، وكيفية معالجة تلك التشريعات لتلك التجارب وأوجه القصور التشريعي، وطرق معالجتها وتداركها بموجب التعديلات على القوانين القائمة، أو إصدار قانون موحد ينظم تلك المسألة بكافة جوانبها.

الصفحةالموضوع
9 المقدمة
15 الفصل التمهيدي: ماهية التجارب السريرية
17 المبحث الأول: مفهوم التجارب السريرية وأنواعها ومراحلها
17 المطلب الأول: تعريف التجارب السريرية وأهميتها
17 الفرع الأول: تعريف التجارب السريرية
24 الفرع الثاني: أهمية التجارب السريرية
26 المطلب الثاني: أنواع التجارب السريرية ومراحلها
27 الفرع الأول: أنواع التجارب السريرية
30 الفرع الثاني: مراحل إجراء التجارب السريرية
37 المبحث الثاني: المبادئ القانونية الخاصة بحماية الجسم البشري
37 المطلب الأول: مبدأ خروج جسم الإنسان عن دائرة التعامل
38 الفرع الأول: مفهوم مبدأ خروج جسم الإنسان عن دائرة التعامل
39 الفرع الثاني: موقف التشريعات المختلفة من مبدأ خروج جسم الإنسان عن دائرة التعامل
45 الفرع الثالث: الموقف الدولي من المبدأ
47 المطلب الثاني: مبدأ عدم جواز المساس بجسم الإنسان
47 الفرع الأول: مفهوم المبدأ وعناصر الحق في سلامة الجسد
51 الفرع الثاني: موقف التشريعات الوطنية المختلفة من المبدأ
56 الفرع الثالث: موقف الاتفاقيات الدولية من المبدأ
58 الفرع الرابع: الاستثناءات الواردة على المبدأ
الباب الأول
مشروعية التجارب السريرية
62 الفصل الأول: الأساس القانوني للتجارب السريرية
63 المبحث الأول: القانون الدولي والتجارب السريرية على الإنسان
63 المطلب الأول: تقنين نورمبرغ 1948م
66 المطلب الثاني: إعلان هلسنكي 1964م
70 المطلب الثالث: الإعلان العالمي حول الجينوم البشري
73 المبحث الثاني: الأساس القانوني للتجارب السريرية في التشريعات الوطنية المقارنة
81 الفصل الثاني: مشروعية إجراء التجارب السريرية بهدف استخلاص دواء أو مصل لفيروس كورونا
83 المبحث الأول: الشروط الخاصة بالخاضعين للتجربة والقائمين عليها
83 المطلب الأول: رضاء الأشخاص الخاضعين للتجربة
84 الفرع الأول: الرضاء الحر والصريح الخاضع للتجربة
100 الفرع الثاني: شروط التبرع ببلازما المتعافين لعلاج المصابين بفيروس كورونا
106 الفرع الثالث: تشديد الالتزام بالإفصاح في مجال التجارب السريرية
126 المطلب الثاني: الأهلية اللازمة للأشخاص الخاضعين للتجارب السريرية
139 المبحث الثاني: المسؤولية الطبية والتزامات الطبيب من ناحية المشروعية
140 المطلب الأول: الشروط الخاصة بالباحث الطبيب القائم على تنفيذ التجربة
140 الفرع الأول: كفاءة الباحث العلمية
145 الفرع الثاني: الترخيص بإجراء التجارب السريرية بهدف استخلاص دواء أو مصل لفيروس كورونا
148 الفرع الثالث: الحفاظ على سلامة الأشخاص الخاضعين للتجربة
153 الفرع الرابع: إجراء التجربة في أماكن محددة تحت إشراف ورقابة وزارة الصحة
157 المطلب الثاني: شروط خاصة بالتجربة ذاتها
158 الفرع الأول: مشروعية إجراء تجارب لاستخلاص مصل أو دواء لفيروس كورونا
159 الفرع الثاني: أنواع اللقاحات المستحدثة للتطعيم ضد فيروس كورونا
163 الفرع الثالث: انعدام وجود البديل عن الإنسان لإجراء التجربة
165 الفرع الرابع: رجحان الفوائد المرجوة من التجربة على المخاطر المنتظرة
الباب الثاني
تجريم التجارب السريرية
174 الفصل الأول: تجريم إجراء التجارب السريرية دون الحصول على موافقة الشخص الخاضع للتجربة
175 المبحث الأول: تجريم إجراء تجارب سريرية دون موافقة الخاضع للتجربة على مستوى الاتفاقيات الدولية
175 المطلب الأول: اتفاقيات جينف بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب
179 المطلب الثاني: مجموعة قوانين نورمبيرغ (Nuremberg)
184 المطلب الثالث: الاتفاقية الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية
184 المطلب الرابع: إعلان هلسنكي وطوكيو
188 المطلب الخامس: الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والطب الحيوي (أوفيدو Oviedo)
190 المطلب السادس: الإعلان العالمي بشأن الجين البشري وحقوق الإنسان
192 المبحث الثاني: تجريم إجراء التجارب السريرية دون موافقة الخاضع للتجربة على مستوى الفقه الإسلامي والتشريعات الوطنية
193 المطلب الأول: التشريع الفرنسي
195 الفرع الأول: جريمة دراسة الخصائص الوراثية دون رضاء صاحبها
198 الفرع الثاني: جريمة التقاط خلايا جسدية دون رضاء صاحبها
199 المطلب الثاني: التشريع المصري
201 الفرع الأول: جريمة إجراء تجارب طبية على الأطفال
204 الفرع الثاني: إجراء تجارب طبية دون موافقة الشخص الخاضع للتجربة
209 الفرع الثالث: جريمة عدم تقديم الرعاية الطبية للمبحوثين
211 الفرع الرابع: جريمة عدم توافر اشتراطات الجهة البحثية
213 المطلب الثالث: التشريع الأردني
216 الفرع الأول: عناصر المسؤولية الجزائية في التشريع الأردني
218 الفرع الثاني: أركان الجريمة المتعلقة بالدراسات الدوائية
226 الفرع الثالث: الجزاء الجنائي المقرر على الجريمة المتعلقة بالدراسات الدوائية
228 المطلب الرابع: التشريع الأمريكي
238 المطلب الخامس: الفقه الإسلامي
242 الفصل الثاني: تجريم الاتجار بالبشر لأغراض التجارب السريرية
245 المبحث الأول: تجريم الاتجار بالبشر لأغراض التجارب السريرية على مستوى الاتفاقيات الدولية
246 المطلب الأول: الصكوك الدولية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية
251 المطلب الثاني: اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية
258 المبحث الثاني: تجريم الاتجار بالبشر لأغراض التجارب السريرية على مستوى التشريعات الوطنية
259 المطلب الأول: عناصر جريمة الاتجار بالبشر لأغراض التجارب الطبية وطبيعتها القانونية
265 المطلب الثاني: التشريع الفرنسي
279 المطلب الثالث: التشريع المصري
290 المطلب الرابع: التشريع الأردني
292 المطلب الخامس: التشريع الأمريكي والأوروبي
292 الفرع الأول: التشريع الامريكي
296 الفرع الثاني: التشريع الأوربي
301 الــخـاتــمـــة
305 المــلــــحــق
309 المصادر والمراجع
القانون     الطبي التجارب السريرية بين المشروعية والتجريم - دراسة مقارنة
 
اضافة الكتاب الى سلة المشتريات
  الكمية:
حذف الكتاب:
   
   
 
 
انهاء التسوق
استمر بالتسوق
9789923152713 :ISBN
التجارب السريرية بين المشروعية والتجريم - دراسة مقارنة :الكتاب
المحامي د. أحمد ياسين الشخيبي :المولف
1.000 :الوزن
17×24 :الحجم
ابيض :الورق
328 :الصفحات
2026 :السنة
مجلد :النوع
$25 :السعر
 
:المقدمة

لما كان الإنسان هو غاية التنظيم الاجتماعي، فإن حمايته في كيانه المادي والمعنوي هي من أساسيات النظام القانوني، ذلك أن هذه الحماية إنما ترد على قيم وعناصر لازمة لوجوده من أجل أن يستمر تقدم المجتمع وازدهاره. بالمقابل تعرض الكائن البشري عبر العصور المختلفة إلى أبشع التجارب على أيدى أطباء يمارسون هوياتهم السادية في تجاربهم، وقد ظهر ذلك جلياً أثناء الحرب العالمية على أيدي النازيين، فقد تم إجراء بعض التجارب الضارة بالبشر، والتي قد ترتب عليها في بعض الأحيان عجزهم أو وفاتهم، واستغلال البشر كفئران تجارب، وقيام بعض الدول بهذه التجارب في الخفاء، وغالباً ما يكون ضحاياها من شعوب الدول الفقيرة، مما يؤدى إلى انتهاك حقوق الإنسان، بهدف اكتشاف نوع جديد من الأدوية أو لمحاولة استنساخ بشري، أو لاستخدام الأجنة في بحوث الخلايا الجذعية، إلا أنه وعلى الرغم من ذلك فللتجارب السريرية أهمية كبرى في اكتشاف بعض الأدوية الضرورية لحياة البشر والتخفيف من آلامهم، وكذا تطوير مجالات التشخيص والعلاج لبعض الأمراض المستعصية والخطيرة التي لم تفلح معها العلاجات الطبية المتاحة. ولعل أبرز ما دار مؤخراً على الساحة العالمية إيجاد علاج أو لقاح مناسب لفيروس كورونا COVID-19، وهو ما سعت دول العالم المختلفة على إيجاد لقاح أو علاج له بشكل سريع، بهدف الحد من انتشار المرض والقضاء على المزيد من البشر، وهو ما دفع العلماء إلى اللجوء لإجراء تجارب سريرية لاكتشاف لقاح أو علاج له، لذا لابد للمتطوع عند خضوعه للتجارب السريرية أن يكون مطمئناً إلى أنه يقع في هذا العمل تحت مظلة القانون الذي يكفل حمايته ضد أي اعتداء يمس جسده. ولمعالجة اعتبارات المسؤولية المدنية، أصدر وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكي في 10 مارس 2020 إعلانًا وفقًا لقانون الجاهزية العامة والتأهب لحالات الطوارئ (PREP) منح حصانة من مسؤولية الضرر للكيانات المشاركة في تصنيع وتوزيع "اللقاحات المضادة" لفيروس كورونا. ويهدف الإعلان إلى تعزيز التطوير السريع للأدوية والأجهزة المصممة للوقاية من فيروس كورونا وعلاجه. تاريخياً، أصدرت وزارة الصحة الأمريكية أوامر مماثلة للتصدي لفيروس زيكا، وفيروس الإيبولا، والعديد من أوبئة الإنفلونزا. هذا وتثير التجارب السريرية على الإنسان مشكلة التأرجح بين اعتبارين، الأول حرية البحث العلمي وما يترتب عليه من إطلاق حرية الطبيب في إجراء هذه التجارب، وثانيها حرية الإنسان الفردية، وما تقتضيه من احترام لسلامة جسده، وعدم المساس بهذا الجسد إلا فيما يحقق مصلحة يقرها القانون، خاصة وأن هذا التنازع معقد بشكل شديد فيما يخص كيفية تحقيق التوازن بين المصلحتين السابقتين بعدالة، ونظراً لأن الأطباء والعلماء والباحثين في مجال الأبحاث العلمية والتجارب السريرية، ومع التقدم والتطور العلمي والتقني الهائل في الأدوات، والمعدات، والآليات، والطرق الحديثة، تجعلهم يعملون في بعض الأحيان دون الأخذ بأهمية للاعتبارات القانونية والإنسانية، حيث لا يتفق المفهوم العلمي البحت كثيراً مع الإحساس الروحي، أو الأدبي لجسم الإنسان وكيانه المادي والمعنوي، فالأطباء والعلماء والباحثون يسعون إلى تحقيق أفضل النتائج العلمية التي تخدم الإنسان في النهاية، ولكن من خلال هذا السعي يتزايد التعامل مع الإنسان باعتباره أداة أو مجرد محل للعمل الطبي، أما من الناحية القانونية فإن الأمور تأخذ منحىً مختلفًا عن مفهوم الأطباء والعلماء والباحثين، حيث يضع القانون الإنسان في إطار مبدأ الحرية واحترام كيانه المادي والمعنوي، والقانون في ذلك يضع سلماً للقيم يوازن بينها، ويفصل بعضها أو يقدمه على الآخر، لذا يوجد تفاوت يحدث في بعض الأحيان بين مفاهيم وقيم القانون، وبين بعض التطورات العلمية والتقنية التي تطرأ على الحياة العلمية والعملية في مجال التجارب السريرية. وقد يتعلق بالحق في سلامة شخص الإنسان، وهو يعني حظر التعذيب والعقوبة أو المعاملة القاسية أو اللانسانية أو المهينة أو المذلة التى جاءت على وجه الخصوص في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما نصت في المادة {16} على عدم سلب الحرية وإضافة إلى الحق في السلامة الشخصية كالآتي: 1. لكل شخص الحق في السلامة البدنية والعقلية. 2. في سياق الطب والبيولوجيا، يجب الامتثال على وجه الخصوص للآتي: - الموافقة الحرة والمستنيرة للشخص المعني، بالطريقة التي يحددها القانون. - حظر ممارسات تحسين النسل، ولا سيما تلك التي تهدف إلى اختيار الأشخاص. - حظر جعل جسم الإنسان وأجزائه، على هذا النحو، مصدراً للربح. - حظر استنساخ البشر لأغراض التكاثر. وقد اهتمت التشريعات محل البحث بتنظيم التجارب السريرية في مجال الأدوية، ومنها المشرع الأردني بموجب قانون المسؤولية الطبية والصحية الأردني رقم (25) لسنة 2018م، وقانون إجراء الدراسات الدوائية الأردني رقم (2) لسنة 2011م، وتلاه حديثاً المشرع المصري بموجب قانون تنظيم البحوث الطبية الإكلينيكية المصري رقم (214) لسنة 2020م، والذي جاء بدراسة تفصيلية لشروط وضوابط التجارب السريرية، وتحديد الجهات المنوط بها إجراء تلك التجارب، كما جرم بعض الأفعال التي تمس الكيان البشري، أو الاتجار به كما سيرد تفصيلاً بدراستنا. وأيضًا هناك المسؤولية المدنية بجوار المسؤولية الجنائية، والتي تحمي المضرور من التجارب السريرية التي تمت بطريقة قانونية وحدث ضرر بناء على إهمال أو غيره، وأيضًا التعويض عن الضرر الناتج عن عمليات التجارب السريرية غير القانونية، لكن لن نتطرق إلى الحديث عن هذا نظرًا لأن موضوعنا، هو المسؤولية الجنائية، ولكن لزامًا الإشارة إليه. وتبدو أهمية هذه الدراسة من خلال سعيها إلى وضع إطار قانوني منضبط لتنظيم التجارب السريرية على البشر من الناحية التشريعية، وتنظيمها في إطار قانون موحد، وتحديد المباح منه والمحظور إجرائه وتجريمه، وكبح جماح العلماء في المضي نحو إجراء أي تجربة لمجرد إثبات نظرية علمية معينة، والتعرف على مدى كفاية التشريعات الوطنية للحد من إجراء التجارب السريرية المحظورة واستغلال البشر، سواء بالترغيب بالمزايا والمكآفات المالية التي سوف يحصلون عليها، أو الترهيب عن طريق إكراه الأشخاص الخاضعين للتجربة للخضوع لبعض التجارب الخطرة على صحتهم وحياتهم، والتي لم يجيز القانون إجراءها. وقد أدى التطور التكنولوجي وتطور الصناعات الدوائية، وصناعة المعدات والآلات الطبية، إلى تطور هائل في نظريات معالجة المرض، فقد أنتجت المعامل الدوائية أجيالاً جديدة من الأدوية، وأفرز التطور التقني في مجال المعدات الطبية بعض أجهزة التشخيص، وبعض الأجهزة المتطورة التي تستخدم إما للجراحة وإما للعلاج، ومن المعلوم أن جميع هذه المنتجات سواء الدوائية أو التقنية بحاجة إلى دراسات سريرية تجرى على البشر لإثبات مدى فعاليتها في تشخيص أو علاج المرض، ولما كانت هذه الدراسات مباحة إلى حد معين سمح به القانون، ولما كان البشر الذين تجري عليهم هذه الدراسات هم من المتطوعين، رغم أن بعضهم قد يتلقى أجراً عن هذا التطوع، ولما كانت هذه التجارب تحمل نوعاً من الخطر على هؤلاء المتطوعين، فهنا يجب التدخل بنصوص تشريعية للعقاب على مخالفة تلك الضوابط المحددة بالقانون، والتي لم تسمح التشريعات بإجرائها، ومن هنا تتكون المشكلة البحثية في سؤال محوري ورئيس هو: هل يعتبر القيام بالتجارب السريرية فعلاً مباحاً أم مجرماً في ظل التشريعات المقارنة ؟ وإنني في دراستي لهذا الموضوع اتبعت مناهج بحثية مختلفة في سبيل تدارك القصور التشريعي في القانون الأردني في معالجته للتجارب السريرية، ولوضع نواة للباحثين فيما بعد لاستكمال الطريق من حيث انتهينا، وهذه المناهج هي: المنهج التحليلي؛ تم الاستناد إليه من أجل استعراض موقف المنظمات الدولية والتشريعات المقارنة، والظروف التي وقعت ومحاولة وصفها وتحليلها وتأصيلها. والمنهج المقارن: تم الاستناد إليه من أجل إبراز مواقف الدول المختلفة من إجراء التجارب السريرية، وكيفية معالجة تلك التشريعات لتلك التجارب وأوجه القصور التشريعي، وطرق معالجتها وتداركها بموجب التعديلات على القوانين القائمة، أو إصدار قانون موحد ينظم تلك المسألة بكافة جوانبها.

 
:الفهرس