تُشكّل أعمالُ الإرهاب تحدياً حقيقياً للدول والمجتمعات، وقد غدت في العقود الأخيرة ظاهرةً خطيرةً ومقلقةً للمجتمع الدولي ككل. والأعمال الإرهابية هي جرائم جسيمة تناقض الشرائع السماوية وتنتهك القوانين الوطنية والصكوك والقرارات الدولية. ولذا، فقد استحوذت على جزء كبير من اهتمام الحكومات والمنظمات الدولية والإقليمية المعنية، إضافةً لاهتمام مراكز الأبحاث والمحللين وفقهاء القانون المحلي والدولي.
ورغم تصدُّر ظاهرة الإرهاب اللقاءات والندوات والمؤتمرات الدولية والإقليمية، ورغم المحاولات العديدة لوضع تعريف دقيق وشامل ومتَّفق عليه للإرهاب، فإنه لم يتم التوصل حتى الآن إلى اتفاقية دولية تتضمن مثل ذلك التعريف وآليات مكافحة الإرهاب. والفشل في محاولات وضع التعريف المطلوب يعود لاختلاف مصالح الدول ومحاولة كل منها فرض وجهة نظرها بما يتفق مع مصالحها وأهدافها. ولعلّ أحد أهم الأسباب في ذلك هو رغبة بعض الدول في إبقاء حالة من الغموض تسمح بالخلط ما بين أعمال الإرهاب من جهة، وأعمال المقاومة المسلحة المشروعة ضد الاحتلال الأجنبي من جهة ثانية، ليَسْهُل عليها وصمُ من تريد من حركات المقاومة بتهمة الإرهاب. هذا، على الرغم من سهولة التفريق بين الأمرين. فبمقابل أعمال الإرهاب المتَّفَق على تجريمها، فإن القانون الدولي والمواثيق الدولية قد أقرت حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الأجنبي حتى نيلِ استقلالها وممارسةِ حقها في تقرير المصير.
وحيث إن الإرهاب لم يكن يمثّل ظاهرة خطيرة عند إنشاء الأمم المتحدة أواسط القرن الماضي، فإنه لم يكن في الحسبان حينها تناولُ هذه المشكلة في الوثائق والصكوك الدولية كأحد التحديات العالمية، أو اعتبارُ القضاء عليها كأحد مقاصد المنظمة الدولية الجديدة.
ومع أن أعمال الإرهاب ليست أمراً جديداً وإنما هي، بصورها المختلفة قد تكون قديمةً قِدَمَ الإنسانية، إلا أن بروزها وانتشارها كظاهرة خطيرة في العصر الحديث كان في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي؛ وقد تمثلت في أعمال مثل خطف الطائرات، وأخذ الرهائن واحتجازهم، واغتيال المسؤولين، وتفجير السيارات والمنشآت، والاعتداء على السفارات، وخطف الدبلوماسيين واحتجازهم، وغير ذلك من الممارسات. وكان تعاطي الأمم المتحدة ومجلس الأمن مع أعمال الإرهاب يقتصر على شجب وإدانة تلك الممارسات عند وقوع عمليات إرهابية. إلا أن ذلك قد تغيَّر منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، أي بعد انتهاء الحرب الباردة، حيث إنتقل مجلس الأمن من مرحلة الشجب والإدانة إلى مرحلة أخرى أكثر فاعلية، فباتَ يَعتبر الإرهابَ ظاهرة تمثل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، وأخذ يتبنّى قراراتٍ تتضمّن إجراءات لمكافحة الإرهاب استناداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك فرضُ عقوبات متنوعة على بعض الدول. وقد لوحظ في هذه المرحلة الجديدة أنه في بعض الحالات كان هناك تحيُّز من قِبَل المجلس لجانب بعض الدول الكبرى، من حيث الانسياق خلف رؤيتها للمشكلة وطريقة مواجهتها حتى لو قامت بتلك المواجهة بشكل انفرادي ودون سند قانوني. وأبرز مثالين على ذلك هما الحرب التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية على أفغانستان عام 2001، عقب هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، ثم الحرب التي قامت بها على العراق عام 2003. وهاتان الحربان هما موضوع هذه الدراسة كنموذجين على كيفية تعاطي منظمة الأمم المتحدة مع مسألة الإرهاب في إطار ما يُسمَّى "الحرب العالمية على الإرهاب" التي أعلنتها الولايات المتحدة في أعقاب تلك الهجمات.
وقد أظهرت الأحداث ـ كما سنبيِّن لاحقاً ـ أن مجلس الأمن قد تحوَّل، تحت عنوان "مكافحة الإرهاب الدولي"، إلى أداة تسيطر عليها الولايات المتحدة وتمارس من خلالها الضغوط على الدول الأعضاء لاستصدار قرارات تتجاوز الصلاحيات القانونية المحددة في ميثاق الأمم المتحدة وتنطوي على انتهاك أو تجاهل لحقوق الدول المستهدفة وشعوبها.
بعد أن انتهت فترة الحرب الباردة التي اتَّسمت بوجود قطبين اثنين على الساحة الدولية، أي المعسكر الشرقي المتمثل في الاتحاد السوفييتي وحلفائه المُنضوين معه ضمن حلف "وارسو" من جهة، والمعسكر الغربي المتمثل في الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين المُنضوين معها ضمن "حلف شمال الأطلسي" من جهة ثانية، تسيَّدت الولاياتُ المتحدةُ المسرحَ العالمي، وأعلنت قيام ما سمَّته "النظام العالمي الجديد"، أي النظام الذي هي فيه القطب الأوحد، والذي ينبغي أن يكون على الهيئة التي تريدها هي وتنسجم مع رؤيتها للأمور. وبانتهاء مخاوفها من المعسكر الشرقي، انفتحت شهيتها على مزيد من السيطرة وترسيخ الهيمنة لتحقيق مصالحها في مناطق مختلفة من العالم. وكانت منطقة الشرق الأوسط من أول وأبرز المناطق التي سعت واشنطن لتحقيق ذلك فيها، حيث تبنَّت ما سمَّته "سياسة الاحتواء المزدوج" إزاءَ العراق وإيران، بهدف إضعاف هذين البلدين على حد سواء، وفرض سيطرتها على منابع النفط في المنطقة، وحماية المصالح الأمريكية والإسرائيلية معاً. وقد قامت بزرع قواعد عسكرية عديدة لها في المنطقة العربية لخدمة هذه الأغراض وسواها.
ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، وعقب أحداث الحادي عشر من أيلول ـ سبتمبر 2001 التي استهدفت برجَي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" في واشنطن العاصمة، صحا العالم على واقع جديد تضمَّنَ، من بين أمورٍ أُخرى، تحولاً نوعياً وكمياً في القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، وخاصةً مجلس الأمن الدولي، تحت عنوان مكافحة الإرهاب. فقد أصدر مجلس الأمن قرارات عديدة خلال الفترة من 2001 إلى 2008، وهي الفترة الزمنية التي يتناولها هذا الكتاب، تضمَّنت إجراءاتٍ عقابيةً محددةً طالبت بها الولايات المتحدة ضدَّ دولٍ بعينها؛ كما تضمَّنت دعماً أو تَساوُقاً مع الولايات المتحدة في استخدامها للقوة العسكرية، حيث استخدمتها بالفعل أو هددت باستخدامها تحت شعار "الحرب على الإرهاب"، مستغلةً تبدل البيئة السياسية الدولية. كما قامت بإعادة بناء إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي فأدخلت عليها مفهوم "الحرب الاستباقية"؛ كما أعلنت نيَّتها لمواجهة ومعاقبة دول أطلقت عليها وصفَ "محور الشر"، وهي العراق وإيران وكوريا الشمالية؛ وكذلك لمحاربة المنظمات الإرهابية والقضاء عليها. ولم تكن هنالك جهة دولية تقرر ما إذا كانت تلك التصرفات تمثّل خرقاً لأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة أم لا.
ومع تلك السيطرة التي باتت للولايات المتحدة على مجلس الأمن، ووجود حالة من التعاطف العالمي معها نتيجة الشعور بالصدمة إزاء أحداث 2001، تبنَّى مجلسُ الأمن العديد من القرارات استناداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، انطوى بعضُها على انتهاك لمبدأ السيادة الوطنية للدول، والشرعية الدولية، إضافةً لازدواجية المعايير. وذلك كله تسبب بأضرار مدمرة للدول التي استُهدفت في إطار الحرب على الإرهاب، كما كانت له آثار وتداعيات سلبية على النظام الدولي والعلاقات الدولية. وكان أوضح الأمثلة على ذلك ـ كما ذكرنا ـ هو ما قامت به الولايات المتحدة من تدمير وغزو واحتلال لأفغانستان عام 2001، ثم الحرب التي شنَّتها على العراق عام 2003 حيث قامت باحتلاله وتفكيك مؤسساته، مستغلَّةً الأجواء الدولية المشحونة آنذاك بسبب هجمات سبتمبر 2001، رغم أنه لم يكن هنالك أي دليل على تورط العراق في أعمال إرهاب ولا على امتلاكه أسلحة دمار شامل، وهما الذريعتان اللتان استخدمتهما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، شريكتها في تلك الحرب، لتبرير قيامهما بها؛ وكان ذلك دون غطاء دولي، حيث لم يتحذ مجلس الأمن قرارا يأذن لهما بالقيام بعمل عسكري ضد العراق.
وهكذا، فقد ظهرت في ظل هذا "النظام العالمي الجديد" إشكالية حول آليات مكافحة الإرهاب، ذلك أن أية آلية دولية لمكافحة الإرهاب يجب أن تنسجم مع قواعد القانون الدولي. ولقد طالب العديد من المسؤولين رجال القانون الدولي في العالم بضرورة إصلاح منظمة الأمم المتحدة وتعديل ميثاقها بغرض تفعيل دورها وتحسين أدائها، خاصةً مجلس الأمن، وليتم من خلال عملية الإصلاح المأمولة تلك، من بين أمور أُخرى، إيجادُ نوع من الرقابة على عمل مجلس الأمن لضمان شرعية قراراته وعدالتها وشفافيتها، سواء من خلال محكمة العدل الدولية أو أية هيئة أُخرى مناسبة يُتَّفق عليها، وذلك من أجل تجنُّب تكرار ما حصل خلال السنوات الماضية من تعسُّفٍ في استعمال القوة وتدميرٍ واحتلالٍ للدول مثلما حدث لأفغانستان والعراق.
نتناول في هذا الكتاب ظاهرة الإرهاب من مختلف جوانبها؛ وكيف تمت مواجهتها أو التعامل معها؛ وتدابير مجلس الأمن لمكافحة الإرهاب قبل وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001؛ وما حدث من تغيرات في أولويات السياسة الخارجية الأمريكية بعد توظيف تلك الأحداث لتأكيد هيمنتها وسيطرتها على العالم؛ بالإضافة إلى دراسة وتحليل طبيعة دور الأمم المتحدة، وخاصة مجلس الأمن الدولي بعد تلك الأحداث؛ وبيان مدى مشروعية استخدام القوة لمكافحة الإرهاب في ظل القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة؛ والقرارات التي تم اتخاذها من قِبَل مجلس الأمن ضد كل من دولتَي العراق وأفغانستان بعد هجمات 2001؛ والأساس القانوني أو الحجج التي استندت عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها لشن تلكما الحربين اللتين انطوتا على انتهاك صريح للشرعية والمواثيق الدولية، الأمر الذي أظهر مدى ضعف منظمة الأمم المتحدة، ومدى السيطرة على أجهزتها المعنية، وأهمها مجلس الأمن، من قِبَل الدول الكبرى، بحيث باتت عاجزة عن القيام بالأهداف والمقاصد التي أُنشئت من أجلها، وأولها المحافظة على السلم والأمن الدوليين، وحظر استخدام القوة في العلاقات الدولية. وسنستعرض ذلك كله في الأجزاء التالية من هذا الكتاب.
| الصفحة | الموضوع |
|
11
|
التقديم
|
|
15
|
المقدمة
|
|
|
الفصل الأول
|
|
|
أهداف ومبادئ هيئة الأمم المتحدة وأجهزتها المعنية بمكافحة الإرهاب
|
|
25
|
المبحث الأول: الأهداف والمبادئ الرئيسة لهيئة الأمم المتحدة
|
|
25
|
المطلب الأول: أهداف هيئة الأمم المتحدة
|
|
28
|
المطلب الثاني: المبادئ الرئيسة لهيئة الأمم المتحدة
|
|
36
|
المبحث الثاني: أجهزة هيئة الأمم المتحدة المعنية بمكافحة الإرهاب (مجلس الأمن)
|
|
36
|
المطلب الأول: نشأة مجلس الأمن ونظام التصويت والاختصاصات
|
|
42
|
المطلب الثاني: القيمة القانونية لقرارات مجلس الأمن والرقابة على شرعيتها
|
|
|
الفصل الثاني
|
|
|
تعريفات الإرهاب الدولي وأسبابه وأنواعه
|
|
56
|
المبحث الأول: الإرهاب الدولي: تعريفاته، وأسبابه
|
|
56
|
المطلب الأول: تعريفات الإرهاب الدولي
|
|
59
|
المطلب الثاني: أسباب الإرهاب الدولي ودوافعه
|
|
66
|
المبحث الثاني: صور الإرهاب الدولي وأنواعه
|
|
66
|
المطلب الأول: صور الإرهاب الدولي
|
|
70
|
المطلب الثاني: أنواع الإرهاب الدولي
|
|
|
الفصل الثالث
|
|
|
جهود أجهزة الأمم المتحدة المعنية بمكافحة الإرهاب قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وبعدها
|
|
80
|
المبحث الأول: جهود الجمعية العامة للأمم المتحدة في مكافحة الإرهاب قبل أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001 وبعدها
|
|
80
|
المطلب الأول: جهود الجمعية العامة للأمم المتحدة في مكافحة الإرهاب قبل أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001
|
|
88
|
المطلب الثاني: جهود الجمعية العامة للأمم المتحدة في مكافحة الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001
|
|
105
|
المبحث الثاني: جهود مجلس الأمن في مكافحة الإرهاب قبل أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001 وبعدها
|
|
105
|
المطلب الأول: جهود مجلس الأمن في مكافحة الإرهاب قبل أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001
|
|
109
|
المطلب الثاني: جهود مجلس الأمن في مكافحة الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001
|
|
|
الفصل الرابع
|
|
|
تداعيات أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001 على القانون والمجتمع الدولي
|
|
159
|
المبحث الأول: أهداف الولايات المتحدة من التدخل العسكري في أفغانستان ومدى شرعيته
|
|
161
|
المطلب الأول: أهداف التدخل العسكري للولايات المتحدة في أفغانستان
|
|
173
|
المطلب الثاني: التكييف القانوني للتدخل العسكري في أفغانستان ومدى شرعيته
|
|
184
|
المبحث الثاني: الاحتلال العسكري الأمريكي ـ البريطاني للعراق عام 2003
|
|
186
|
المطلب الأول: أهداف الاحتلال العسكري الأمريكي ـ البريطاني للعراق عام 2003
|
|
208
|
المطلب الثاني: قرارات مجلس الأمن والتكييف القانوني لاحتلال العراق عام 2003
|
|
228
|
المبحث الثالث: تداعيات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001 على القانون الدولي والعلاقات الدولية
|
|
228
|
المطلب الأول: المبادئ التي تم خرقُها
|
|
234
|
المطلب الثاني: التداعيات على العلاقات الدولية
|
|
243
|
الخاتمة
|
|
249
|
المراجع
|
|